الشيخ محمد رشيد رضا
405
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) وما دام المؤمن حيا فالواجب عليه أن يخاف اللّه خوفا يرهبه ويزجره عن معاصيه ، وأن يرجوه رجاء يرغبه في ثوابه وما يرضيه ، وما عند اللّه مجهول لنا ، وما أحسن قول أبي الحسن الشاذلي قدس اللّه سره « وقد أبهمت الامر علينا لنرجو ونخاف ، فآمن خوفنا ، ولا تخيب رجاءنا » اللهم آمين خاطب اللّه تعالى بما تقدم كله أمة الدعوة المحمدية وهم جميع الناس فموعظة القرآن وما فيه من شفاء من أمراض الكفر والنفاق والرذائل ، وهداه إلى الحق والفضائل موجهات إلى الجميع ، وخص المؤمنين بما تثمره الثلاث من الرحمة لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، ثم خاطب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يبلغ هؤلاء المؤمنين أنه يحق لهم أن يفرحوا بفضل اللّه عليهم بنعمة الايمان والاسلام وبهذه الرحمة الخاصة بهم لاستجماعهم كل ما ذكر قبلها من مقاصد تشريعه فقال : * * * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فضل اللّه على جميع عباده عظيم وهو على المؤمنين منهم أعظم ، ورحمته العامة لهم وبهم واسعة ، ورحمته الخاصة بالمؤمنين أوسع ، وبكل من النوعين نطق القرآن ، وقد من تعالى عليهم بالجمع لهم بين الفضل والرحمة في آيات ، وبكل منهما في آيات ، وقال بعد الجمع بينهما في آيتين من سورة النور ( 24 : 21 وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) وان دخول الباء على كل من الفضل والرحمة هنا يدل على استقلال كل منهما بالفرح به ، فهو يرد ما روي عن مجاهد من أن المراد بهما واحد وهو القرآن ، ويرده أيضا ما روي من المأثور في تفسير كل منهما بمعنى ، ومنه ما رواه أبو الشيخ وابن مردويه من حديث أنس مرفوعا « فضل اللّه القرآن ورحمته ان جعلكم من أهله » وروي عن البراء وأبي سعيد الخدري موقوفا . وعن ابن عباس روايتان ( إحداهما ) ان فضل اللّه القرآن ورحمته الاسلام ( والثانية ) ان الفضل العلم والرحمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعن الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد في الرواية الثانية عنه ، فضل اللّه الايمان ورحمته القرآن ، وكل هذه المعاني صحيحة في نفسها لا في روايتها . وأظهرها في الآية وهو المناسب لما قبلها ، والجامع لمعاني الروايات كلها ، ان فضل اللّه توفيقه إياهم لتزكية أنفسهم بالموعظة